تعيش الدار البيضاء، العاصمة الاقتصادية للمملكة، على وقع أزمة بيئية خانقة، تكشفها أعين العابرين قبل كاميرات الصحافة. نفايات هامدة تتراكم في كل زاوية، وأكوام من الأتربة وبقايا مواد البناء ترسم مشهدًا عشوائيًا متكررًا في أحياء المدينة وشوارعها، ما أثار سخط السكان وأطلق موجة من التساؤلات حول فعالية برامج النظافة وتدبير الشأن البيئي في أكبر مدن المغرب.
في جولة بسيطة بمقاطعات مثل سيدي مومن، عين السبع، الحي الحسني أو حتى أنفا، يصعب على الزائر أن يتجاهل انتشار الركام في الأزقة، وبالقرب من المدارس، والمرافق العمومية، وحتى على جنبات الطرقات الرئيسية. مشهدٌ يتكرر ويترسخ، إلى حد أن بعض النفايات أصبحت “ثابتة” كأنها جزء من البنية التحتية!
لم تعد القضية مجرد تلوث بصري يُشوّه جمالية العاصمة، بل امتدت آثارها إلى ما هو أخطر: صحة المواطنين وسلامتهم. فالغبار المتطاير الناتج عن هذه النفايات الهامدة يهدد الجهاز التنفسي، خاصة لدى الأطفال وكبار السن. كما تحولت هذه الأكوام إلى مرتع خصب للحشرات والقوارض، ما ينذر بكارثة بيئية وصحية حقيقية، قد تتفاقم مع مرور الوقت في غياب تدخّل فعّال وحازم.
إضافة إلى الأضرار الصحية، تتسبب هذه النفايات في عرقلة حركة السير، خاصة حين تحتل الأرصفة أو تقترب من الطرقات. وتتحول بعض النقاط السوداء إلى مطبات عشوائية، تهدد سلامة الراجلين والسائقين على حد سواء.
أمام هذا الواقع المقلق، يوجّه كثير من المواطنين أصابع الاتهام إلى مجلس المدينة، متسائلين عن مصير الشعارات التي رُفعت سابقًا بخصوص “مدينة نظيفة” و”تدبير بيئي مستدام”. غير أن عدداً من المراقبين يرون أن المسؤولية لا تقع على عاتق السلطات وحدها، بل هي مسؤولية جماعية تشمل المجتمع المدني، والمواطن نفسه، الذي كثيرًا ما يتخلّى عن دوره في الحفاظ على نظافة محيطه.
الأزمة التي تعيشها الدار البيضاء اليوم تستدعي أكثر من مجرد استنكار أو ردود فعل آنية. إنها تتطلب رؤية واضحة، وحملات منتظمة، وتنسيقاً فعلياً بين كل المتدخلين: السلطات، المجالس المنتخبة، الشركات المفوضة، والأهم من ذلك، وعي المواطن بأهمية النظافة كجزء لا يتجزأ من جودة العيش وكرامة الإنسان.
فهل تستعيد الدار البيضاء بريقها يوماً؟ أم أن الركام سيواصل التمدد في صمت، مُشوهًا وجه العاصمة الاقتصادية؟

