في ظلّ تصاعد الأزمات الاقتصادية وتراجع فرص الشغل، أصبحت ظاهرة العمل بدون أجر واقعًا مؤلمًا يعيشه عدد متزايد من الشباب والمهنيين الجدد. هي ظاهرة تتوارى خلف شعارات براقة مثل “اكتساب الخبرة”، و”التدريب المهني”، لكنها في الحقيقة تخفي أشكالًا متعددة من الاستغلال، يفرضها أرباب عمل يدركون هشاشة سوق الشغل وحاجة الأفراد إلى العمل بأي ثمن.
تشير معطيات ميدانية إلى أن العديد من المؤسسات، خصوصًا في القطاع الخاص، تلجأ إلى تشغيل خريجين جدد لفترات طويلة دون أجر، بحجة أنهم “في طور التكوين” أو أنهم “يخضعون للتجريب قبل التثبيت”. غير أن الواقع يكشف أن هذه الفترات غالبًا ما تمتد إلى شهور، بل أحيانًا تتكرر مع أشخاص مختلفين، في دورة استغلال ممنهجة.
تتعدد أسباب هذه الظاهرة، ويأتي على رأسها ارتفاع معدلات البطالة، خاصة في صفوف الشباب، ما يدفع الكثيرين إلى القبول بفرص غير مدفوعة أملاً في الحصول على خبرة أو عقد عمل دائم. كما يسهم ضعف تطبيق قوانين الشغل، وغياب الرقابة الصارمة، في تفشي هذا النوع من السلوكيات غير القانونية. والأخطر من ذلك، أن العديد من العمال لا يمتلكون الوعي الكافي بحقوقهم، أو يخشون من المطالبة بها خوفًا من فقدان الفرصة.
في المقابل، يعاني العاملون بدون أجر من انعكاسات نفسية واجتماعية خطيرة. فهم يشعرون غالبًا بعدم التقدير، ويفقدون الثقة في مؤسسات الشغل، مما يؤدي إلى الإحباط، وقد يدفع البعض نحو الهجرة أو الانسحاب من سوق العمل نهائيًا. كما تؤدي هذه الممارسات إلى خلق بيئة عمل غير عادلة، تكرّس الفوارق وتضرب مبدأ تكافؤ الفرص.
ولتجاوز هذا الوضع، يطالب خبراء في مجال الاقتصاد الاجتماعي بضرورة تدخل الدولة لحماية فئة الشباب من هذا الاستغلال، عبر فرض عقوبات على المؤسسات المخالفة، وفرض العقود الرسمية من أول يوم عمل، وتفعيل دور مفتشي الشغل بشكل أكثر فعالية. كما يُنتظر من مؤسسات المجتمع المدني والنقابات أن تلعب دورًا أكبر في توعية الشباب بحقوقهم المهنية، والدفاع عن كرامة العامل في جميع الميادين.
إن العمل بدون أجر ليس مجرد مرحلة مؤقتة كما يُروّج له، بل هو ظاهرة تحمل بين طياتها اختلالات اجتماعية واقتصادية عميقة، لا يمكن السكوت عنها. فكرامة العامل تبدأ من احترام حقه في الأجر، وأي مجتمع يسكت عن هذا الحق، يفتح الباب واسعًا أمام تآكل الثقة، وتوسع دائرة الهشاشة.

