يُعدّ رحيل محمد حميدي، يوم الاثنين الماضي، محطة حزينة في مسار الفن التشكيلي المغربي، إذ يُعتبر أحد أبرز الوجوه التي ساهمت في صياغة ملامح لغة بصرية مغربية حديثة، مستندة إلى الهوية والذاكرة الشعبية، ومؤسسة لمدرسة فنية بصوت مغربي خاص.
منذ بداياته في خمسينيات القرن الماضي داخل مدرسة الفنون الجميلة بالدار البيضاء، ارتبطت أعمال حميدي بالمكان الأول: المغرب، بألوانه الترابية الدافئة، وزخارفه الشعبية الغنية، وذاكرته الجمعية المتجذرة في الحياة اليومية. كان يعتبر أن الفن ليس ترفاً جمالياً، بل وسيلة لتجديد العلاقة بين الإنسان ومحيطه، وإحياء رموز الهوية في زمن ما بعد الاستعمار.
شكل حميدي إلى جانب رفاقه فريد بلكاهية، محمد شبعة، و**محمد المليحي**، أحد أعمدة ما عُرف بـ “مدرسة الدار البيضاء”، التي أحدثت قطيعة مع الأكاديمية الكلاسيكية، وأعادت تعريف علاقة الفن بالمجتمع، حيث تلاقت في أعمالهم الحروف والخطوط والأجساد والهندسة البصرية مع الحداثة الأوروبية.
حين انتقل حميدي إلى باريس عام 1959، اكتشف فضاءات جديدة للتحرر من القوالب الأكاديمية، لكنه عاد عام 1967 محمّلاً بأسئلة عميقة عن الهوية والحداثة، لتتبلور رؤيته الفنية التي مزجت بين المحلي والعالمي، بين الذاكرة الشعبية المغربية وروح التجريب المعاصر.
بألوانه المكثفة وحسّه البصري الدقيق، ترك حميدي إرثاً فنياً يتجاوز اللوحة إلى مشروع فكري وجمالي ساهم في ترسيخ مكانة المغرب على الخريطة الفنية العالمية. لقد كان يرى في الفن “لغة مشتركة” يمكنها أن تحكي ذاكرة شعبٍ بأسره.

