تعيش مدينة الدار البيضاء، القلب الاقتصادي النابض للمغرب، وضعاً صحياً مقلقاً يعري هشاشة المنظومة الصحية العمومية ويكشف حجم الاختلالات المتراكمة منذ سنوات. ففي وقت يتوسع فيه النسيج العمراني وترتفع الكثافة السكانية بوتيرة غير مسبوقة، يجد آلاف المواطنين أنفسهم عاجزين عن الحصول حتى على أبسط الخدمات الطبية.
وتتعزز الأزمة أكثر بسبب النقص الكبير في الأطباء، وخاصة في التخصصات الحيوية كأمراض القلب والأعصاب والأورام، ما يجعل الولوج إلى الفحوصات أو العلاجات المتقدمة شبه مستحيل في كثير من الأحيان. هذا العجز يدفع العديد من المواطنين إلى الانتظار لمدة قد تمتد لأشهر فقط للحصول على موعد طبي، بينما يضطر آخرون إلى اللجوء للقطاع الخاص بتكاليف مرهقة أو التنقل نحو مدن أخرى.
وخلال لقاء تشاوري حول إعداد الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية، المنعقد أمس الإثنين بعمالة الدار البيضاء، كشف محمد الشرقاوي، مدير الشؤون الاقتصادية وإنعاش الاستثمار بولاية جهة الدار البيضاء–سطات، معطيات مقلقة حول الوضع الصحي بالمدينة.
وأوضح الشرقاوي أن العاصمة الاقتصادية تتوفر على طبيب واحد لكل 4061 نسمة، أي أقل بكثير من المعدل الوطني الذي يبلغ طبيباً واحداً لكل 2431 نسمة. أرقام اعتبرها المسؤول “مؤشرات خطيرة” تستدعي إعادة بناء تصور شامل لمنظومة الصحة بالمدينة، بما يضمن خدمة تليق بحجم وخصوصية الدار البيضاء.
وأكد الشرقاوي أن برنامج الجيل الجديد للتنمية يشكل فرصة لإحداث تحول نوعي في التخطيط الاجتماعي والصحي، انسجاماً مع التوجيهات الملكية الرامية إلى تقليص الفوارق المجالية وتحسين جودة حياة المواطنين. واعتبر أن استمرار الوضع الحالي يكرس “مدينة بسرعتين”: مدينة تنمو اقتصادياً، لكن خدماتها الأساسية لا تواكب هذا النمو.
وتبقى آمال البيضاويين معلقة على أن يترجم هذا التشخيص إلى إجراءات عملية وصارمة تعيد للقطاع الصحي توازنه، وتضمن الحق في العلاج وتوفير خدمات صحية في مستوى تطلعات أكبر مدينة في المملكة.

