أعادت الحوادث المتكررة المرتبطة بحركة الشاحنات الكبيرة داخل الأحياء السكنية بمدينة الدار البيضاء إلى الواجهة مطالب واسعة بتشديد القيود على مرور هذا النوع من المركبات الثقيلة، خاصة بالمناطق ذات الكثافة المرورية المرتفعة، وعلى رأسها عين السبع والحي المحمدي، اللذان شهدا خلال السنوات الأخيرة سلسلة من الحوادث المأساوية التي خلفت قتلى وجرحى، وأثارت قلقاً متزايداً وسط الساكنة.
وخلال الأيام الأخيرة، تصاعدت حدة الغضب في أوساط المواطنين، خصوصاً عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث عبّر عدد من البيضاويين عن استيائهم من استمرار مرور الشاحنات الثقيلة داخل شوارع وأزقة يفترض أن تكون مخصصة لحركة السير العادية، معتبرين أن الأمر يشكل تهديداً يومياً لسلامة مستعملي الطريق.
ويرى متابعون أن هذه الوضعية تعكس تجاهلاً واضحاً لعلامات التشوير التي تمنع مرور الشاحنات، مشيرين إلى أن مركبات ثقيلة تجوب بشكل يومي شوارع تتوفر على إشارات منع صريحة، دون أن يقابل ذلك تدخل رادع أو مراقبة منتظمة من الجهات المختصة.
ورغم إعلان جماعة الدار البيضاء، في مناسبات سابقة، عن اعتماد مخطط يهدف إلى تقليص حركة الشاحنات داخل المجال الحضري، من خلال إحداث منصات لوجستية خارج المدينة وربط ميناء الدار البيضاء بشبكة طرق سريعة لتفادي عبور الأحياء السكنية، إلا أن وتيرة تنزيل هذه الإجراءات ظلت بطيئة، ولم تُحدث الأثر الملموس المنتظر على أرض الواقع.
هذا الوضع شجّع عدداً من سائقي الشاحنات على الاستمرار في استعمال الشوارع الداخلية كمسارات بديلة، إما لاختصار المسافة أو لتفادي الضغط المروري، ما ساهم في تأجيج حالة الاحتقان لدى السكان، الذين باتوا يعتبرون الأمر مساساً مباشراً بحقهم في السلامة.
ولا يقتصر إزعاج الشاحنات الثقيلة على الضجيج الذي يمتد إلى ساعات متأخرة من الليل، بل يتعداه إلى الخطر الحقيقي الذي تمثله على الراجلين ومستعملي الطريق، خاصة في محيط المدارس، ومحطات النقل العمومي، والمناطق ذات الكثافة السكانية العالية.
وقد عززت حوادث سابقة هذا الشعور بالخوف، من بينها فاجعة محطة الترامواي ابن تاشفين بالحي المحمدي، إضافة إلى حوادث أخرى سجلت على مستوى مدار الموحدين بعين السبع، وخلفت خسائر بشرية ومادية متفاوتة.
وأمام هذا الوضع، كثفت فعاليات مدنية وجمعيات أحياء تحركاتها، ووجهت نداءات متكررة إلى السلطات المعنية، مطالبة بالتطبيق الصارم للقوانين المنظمة لحركة السير، وتفعيل القرارات المتعلقة بمنع مرور الشاحنات الثقيلة داخل الأحياء السكنية.
كما شددت هذه الهيئات على ضرورة التسريع بإيجاد حلول بديلة، من خلال إحداث مسارات لوجستية فعالة تستجيب لحاجيات مهنيي النقل، دون المساس بحق السكان في السلامة والعيش في بيئة حضرية آمنة، أو عبر تخصيص فترات زمنية محددة لعبور الشاحنات، خصوصاً خارج أوقات الذروة.
وتعيد هذه التطورات طرح تساؤلات ملحة حول مدى جاهزية البنية التحتية بمدينة الدار البيضاء لاستيعاب ضغط النقل الثقيل، وحول قدرة الشبكة الطرقية على الفصل بين حركة الشاحنات وحركة السير داخل الأحياء السكنية، إضافة إلى مستوى التزام الجهات المعنية بتنزيل استراتيجيات النقل الحضري المعلنة.
ومع تزايد الأصوات المطالبة بإجراءات عاجلة وفعالة، تظل الأنظار موجهة إلى جماعة الدار البيضاء وباقي المتدخلين، لمعرفة مدى تجاوبهم مع مطالب لم تعد تقتصر على تحسين شروط التنقل، بل أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بالأمن الحضري وجودة الحياة داخل العاصمة الاقتصادية.

