في حيّ النور بمقاطعة سيدي عثمان، لا لافتات تحذير ولا إشارات خطر، لكن الموت حاضر بصمت داخل معامل سرية تحوّلت إلى فضاءات عمل قاتلة، تُمارَس فيها أنشطة خارج أي إطار قانوني، وتُستنزف فيها أجساد نساء وجدن أنفسهن مجبرات على العمل تحت وطأة الفقر والهشاشة.
في قلب الدار البيضاء، المدينة التي تُقدَّم كقاطرة اقتصادية للمملكة، تنشط “صناعة الظل” بأقسى صورها، حيث تشتغل نساء في ظروف لا إنسانية، دون عقود عمل، ولا تغطية صحية، ولا احترام لأبسط معايير السلامة. ساعات طويلة، مجهود شاق، وآلات خطيرة، مقابل أجور هزيلة لا تكفي لسدّ الحاجيات الأساسية.
داخل هذه المعامل، يُقاس الزمن بالإنتاج لا بالساعات، وكل تأخر يُخصم من الأجر، وكل خطأ قد ينتهي بإصابة خطيرة أو عاهة دائمة، في ظل غياب تام للتجهيزات الوقائية. أسلاك كهربائية مكشوفة، تهوية منعدمة، بنايات متهالكة، ومخاطر متعددة تتهدد العاملات في كل لحظة.
الخوف يشكل القانون غير المعلن داخل هذه الفضاءات: خوف من حريق مفاجئ، من تماس كهربائي، من انهيار بناية، أو من مداهمة محتملة قد تضع العاملات في مواجهة المجهول، رغم أن “العمل السري” لم يكن خياراً بقدر ما هو نتيجة مباشرة للإقصاء الاجتماعي وغياب البدائل.
وتؤكد شهادات متطابقة أن الإصابات المتكررة لا تُسجَّل، والحوادث لا تُبلَّغ، فيما تتحمل العاملات وحدهن كلفة العلاج أو الإقصاء النهائي من العمل، ليُستبدلن بأخريات في دوامة لا تنتهي من الاستغلال.
واقع يطرح أكثر من علامة استفهام حول دور المراقبة، ومسؤولية الجهات المعنية، ونجاعة السياسات الاجتماعية في حماية الفئات الهشة، في وقت يتحول فيه الصمت إلى شريك غير معلن في استمرار هذا النزيف الإنساني.

