تعيش مدينة الدار البيضاء، أكبر مدن المغرب وقلبه الاقتصادي النابض، على وقع أزمة عمرانية متصاعدة ترتبط بالبنايات العتيقة والمهجورة التي ما تزال تقاوم الزمن في قلب المدينة، رغم اهترائها وتراجع قدرتها على الصمود أمام عوامل التعرية والإهمال.
وفي الوقت الذي تتوسع فيه العاصمة الاقتصادية بوتيرة متسارعة نحو الضواحي، يزداد وضع هذه المباني سوءاً، لتتحول من معالم تاريخية شكلت ذاكرة عمرانية فريدة إلى مصدر تهديد حقيقي لسلامة السكان والمارة، وملف يقلق البيضاويين بشكل يومي.
في عدد من الشوارع الرئيسية، خاصة في سيدي بليوط ومرس السلطان ودرب الكبير والأحباس، تتجاور البنايات الحديثة مع أخرى تحمل ندوب الزمن بوضوح. واجهات متشققة، شرفات متآكلة، وأجزاء سقطت من مبانٍ كولونيالية عمرها يفوق قرناً، مخلفة خسائر في مركبات وممتلكات خاصة، لحسن الحظ دون تسجيل إصابات بشرية حتى اللحظة.
وتبرز أزقة وسط المدينة كنماذج صادمة للتدهور، حيث أصبحت بعض البنايات مهددة بالانهيار في أي لحظة، في ظل ضعف الصيانة، وغياب تدخلات جادة لترميم هذا الإرث العمراني.
رغم حالتها الحالية، ما تزال تلك المباني تحمل إرثاً هندسياً استثنائياً يعكس مرحلة ازدهار عاشت على وقعها الدار البيضاء خلال بدايات القرن العشرين. فقد امتزجت فيها أنماط أوروبية بلمسات مغربية أصيلة من خلال الزليج والرخام والزخارف الهندسية، ما جعلها رمزاً للمدينة الحديثة وقتها.
لكن هذه القيمة التراثية لم تكن كافية لحمايتها، إذ تحولت الكثير من هذه البنايات إلى نقاط سوداء بعد هجرها أو احتلالها بشكل عشوائي، بما يحمله ذلك من مخاطر أمنية وصحية، إلى جانب مشاكل اجتماعية إضافية.
ومع تزايد التحذيرات من احتمال وقوع كوارث بشرية لا قدر الله، يطالب فاعلون محليون بتحديث المقاربة المتبعة في معالجة ملف البنايات الآيلة للسقوط، عبر دمج البعد التراثي بالبعد العمراني، وإطلاق برامج شاملة لإعادة التأهيل بدل الاقتصار على المعاينات الجزئية.
فالدار البيضاء، التي تطمح لترسيخ مكانتها كمدينة ذكية حديثة، تجد نفسها أمام تحدٍ كبير: كيف يمكن إنقاذ ما تبقى من ذاكرة المدينة دون تعريض حياة السكان للخطر؟
ملف البنايات العتيقة يظل بذلك أحد أكبر الاختبارات التي تواجهها العاصمة الاقتصادية، بين الحفاظ على التراث وضمان السلامة العامة.

