عاد ملف التفاوتات المجالية داخل مدينة الدار البيضاء إلى واجهة النقاش العمومي، عقب الكشف عن جدول أعمال الدورة العادية لمجلس جماعة الدار البيضاء المرتقب عقدها خلال شهر فبراير المقبل، والذي أثار موجة من الجدل وسط متتبعي الشأن المحلي، بسبب ما اعتُبر استمراراً في تهميش مقاطعة سيدي مومن وإقصائها من الاستفادة من المشاريع الجديدة المبرمجة.
وأبرز جدول الأعمال توجهاً واضحاً نحو تركيز مشاريع التهيئة الحضرية وتطوير الفضاءات العمومية بعدد من المقاطعات التي اعتادت الاستفادة من النصيب الأكبر من الاستثمارات، وفي مقدمتها المعاريف وعين الشق، إلى جانب الحي الحسني، وابن امسيك، وحي مولاي رشيد، مقابل غياب تام لمقاطعة سيدي مومن عن لائحة المشاريع المقترحة، ما أعاد طرح تساؤلات حقيقية حول معايير توزيع الموارد وأولويات التنمية داخل العاصمة الاقتصادية.
ويأتي هذا الإقصاء في وقت تعاني فيه سيدي مومن من اختلالات بنيوية عميقة، جعلتها تُوصَف منذ سنوات بـ“القنبلة الاجتماعية”، بالنظر إلى ارتفاع الكثافة السكانية وتعقّد الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، مقابل ضعف البنيات التحتية والخدمات الأساسية.
ورغم تعاقب المجالس المنتخبة وتعدد الوعود الانتخابية التي رفعت شعارات تأهيل الأحياء الهامشية ودمجها في الدينامية الحضرية للمدينة، إلا أن الواقع يكشف عن فجوة واضحة بين الخطاب والممارسة، وهو ما تعكسه المؤشرات الميدانية بشكل جلي.
ولا يحتاج رصد حجم التهميش الذي تعانيه المقاطعة إلى تقارير تقنية معقدة، إذ يكفي القيام بجولة داخل أحيائها للوقوف على حجم الاختلالات القائمة، من شوارع متآكلة وأزقة مليئة بالحفر، إلى بنية تحتية مهترئة، في مشهد يتناقض بشكل صارخ مع الصورة التي تسعى الدار البيضاء إلى تسويقها كقطب اقتصادي ومالي إقليمي.
وتزداد الصورة قتامة مع انتشار مظاهر تعكس عزلة مجالية واضحة، من قبيل ضعف الإنارة العمومية، وتراكم النفايات بعدد من النقط، وتجول الدواب داخل الأحياء السكنية، ما يطرح علامات استفهام حول مستوى الخدمات الجماعية المقدمة للساكنة، ومدى التزام المسؤولين المحليين بضمان الحد الأدنى من شروط العيش الكريم.
ورغم أن سيدي مومن تُعد من أكبر المقاطعات من حيث المساحة وعدد السكان، فإن ذلك لم ينعكس إيجاباً على حجم الاستثمارات العمومية الموجهة إليها، حيث ظلت الميزانيات المخصصة لها محدودة مقارنة بمقاطعات أخرى داخل المدينة، الأمر الذي عمّق الإحساس بالحيف لدى الساكنة، ودفع عدداً من المنتخبين المحليين والفاعلين الجمعويين إلى المطالبة بإعادة النظر في منطق توزيع المشاريع والموارد.
ويؤكد هؤلاء أن التنمية المحلية لا يمكن أن تتحقق دون اعتماد مبدأ العدالة المجالية وتكافؤ الفرص، والارتكاز على معايير واضحة تأخذ بعين الاعتبار حجم الخصاص والحاجيات الاجتماعية، بدل منطق الانتقائية أو الحسابات السياسية والانتخابية التي غالباً ما تطغى على قرارات البرمجة.
ويعيد هذا الوضع إلى الواجهة النقاش حول الفوارق المجالية داخل الدار البيضاء، حيث تعيش بعض المقاطعات على إيقاع أوراش كبرى للتأهيل والتحديث، فيما تظل مناطق أخرى، من بينها سيدي مومن، رهينة مشاكل متراكمة تشمل ضعف شبكة الطرق، وقلة المساحات الخضراء، وندرة المرافق الثقافية والرياضية، إضافة إلى الضغط الكبير على المؤسسات التعليمية والمراكز الصحية، ما يجعل العدالة المجالية مطلباً ملحاً لا يقبل مزيداً من التأجيل.

