رغم أن الدار البيضاء تعد أكبر مدينة ساحلية في المغرب، وتمتد على أطول شريط ساحلي في المملكة، فإنها اليوم تفتقر لمسبح بلدي عمومي يرقى إلى تاريخها ومكانتها، وهو ما يطرح تساؤلات حقيقية حول مصير المرافق الرياضية العمومية، وحق الساكنة في الولوج إلى الفضاءات الترفيهية والرياضية.
ففي ثلاثينيات القرن الماضي، وتحديدًا سنة 1934، شهدت المدينة ميلاد أحد أعظم المسابح في إفريقيا والعالم آنذاك: المسبح البلدي لعين الذياب، الذي صممه المهندس الفرنسي Maurice L’Herbier. كان مسبحا بمواصفات استثنائية: طوله 480 مترًا، عرضه 75 مترا، يضم حوضا مائيا بطول 300 متر، ملاعب للرياضات المائية، منصات غطس، ومدرجات ضخمة، وكان ملاذا لشباب المدينة القديمة وأحيائها الشعبية مثل درب الطليان ودرب الجران.
هذا المسبح، الذي شهد بروز أسماء رياضية لامعة كالبطل بوديا، لم يكن مجرد منشأة رياضية، بل كان رمزا لهوية المدينة الساحلية، ومتنفسا لساكنتها، وفضاء لتكافؤ الفرص بين مختلف فئات المجتمع. لكن هذا الحلم الجماعي، سيتحول تدريجيًا إلى أطلال، بعد أن أغلق في وجه العموم خلال السبعينيات، ثم هُدم في الثمانينيات، ليشيد مكانه مسجد الحسن الثاني، أحد أهم المعالم الدينية والسياحية بالمغرب.
ورغم أهمية هذا التحول الرمزي، فإن فقدان المسبح البلدي لم يعوض إلى اليوم. فبينما تنعم مدن ساحلية أصغر مثل الحسيمة أو الداخلة بمسابح عمومية لائقة، تُترك الدار البيضاء، المدينة التي أنجبت الأبطال، دون أي مسبح بلدي حقيقي، ما يفتح نقاشا واسعا حول ضرورة إعادة الاعتبار للذاكرة الرياضية للمدينة، وبناء مسابح ومرافق عمومية تليق بملايين السكان.
إن سكان العاصمة الاقتصادية لا يطالبون بإعادة بناء المسبح البلدي القديم بعينه، وإنما بإعادة إحياء فلسفته: منح الجميع حق الوصول إلى الرياضة والترفيه، وتكريم إرث رياضي صنع مجد مدينة البحر.

