صباح عادي في مقبرة الغفران، اكبر واهم مقبرة في العاصمة الاقتصادية، لكن العادي هنا يحمل من المفارقات ما يثير الصدمة. رجل يحفر قبرا بصمت، كأن الفأس صارت جزءا من ذاكرة المكان، وكأن الارض اعتادت ان تُنبش اكثر مما اعتادت ان تُزار من المسؤولين.
بسؤال عفوي بسيط: “واش ما جا حتى مسؤول شاف هاد الحالة؟”، رفع الرجل رأسه، وبنبرة تختصر الكثير من الوجع والمرارة، قال: “شافو حتى ناس الاحياء… بقا غير الاموات”. جملة قصيرة، لكنها كانت كافية لتعري حجم الانهيار الذي وصلت اليه مقبرة يفترض ان تكون فضاء للسكينة، والاحترام، وحرمة الموت.
مقبرة الغفران لم تعد فقط مكانا لوداع الراحلين، بل تحولت الى شاهد صادم على فشل التدبير الجماعي، وصمت الجهات الوصية، وغياب رؤية واضحة لحماية هذا الفضاء الذي له رمزيته الدينية والانسانية. مسالك مهترئة، قبور عشوائية، غياب شروط السلامة والتنظيم، ومشهد يومي يعكس الاهمال الذي طال الاحياء قبل ان يطال الاموات.
ان ما يحدث داخل هذه المقبرة لا يمكن فصله عن اعطاب اكبر في تدبير الشأن المحلي، حيث تغيب المراقبة، وتتراكم الاختلالات، دون محاسبة او تدخل حازم يعيد الاعتبار لحرمة المكان. فاذا كانت المؤسسات عاجزة عن حماية كرامة الموتى، فكيف لها ان تقنع الاحياء بقدرتها على صون حقوقهم؟
مقبرة الغفران اليوم لم تعد فقط مقبرة، بل مرآة صادمة لوضع مؤسساتي مقلق، ورسالة صامتة تقول ان الاهمال حين يستفحل، لا يفرق بين حي وميت.

