لم تعد الدار البيضاء، العاصمة الاقتصادية للمملكة، تعاني فقط من اختناقات السير، أو تدهور الخدمات، أو فوضى التعمير، بل باتت تواجه أزمة أعمق وأخطر، عنوانها تفكك القرار السياسي المحلي وارتهانه لمنطق التحالفات الهشة والمصالح الضيقة.
فحسب عدد من المتتبعين للشأن المحلي، فإن ما تعيشه المدينة اليوم لا يمكن اعتباره مجرد ظرف عابر أو نتيجة صدفة، بل هو حصيلة اختيارات سياسية واصطفافات وُصفت بـ“الانتهازية”، أفرزت وضعاً مرتبكاً يهدد ما تبقى من توازنات العاصمة الاقتصادية، ويُضعف قدرة المجلس الجماعي على الاستجابة لانتظارات الساكنة.
في هذا السياق، تتجه أصابع الاتهام إلى ما يُعرف في الكواليس بـ“لوبي الهموز”، الذي يرى منتقدون أنه لعب دوراً محورياً في إعادة تشكيل الخريطة السياسية داخل المجلس الجماعي، عبر منطق المقايضة والبحث عن النفوذ، أكثر من البحث عن حلول حقيقية لأزمات مدينة بحجم الدار البيضاء وتعقيداتها.
اللافت، وفق الفاعلين أنفسهم، أن العمدة لم تعد تحكم عبر رؤية سياسية واضحة المعالم، بقدر ما تستند إلى أغلبية هجينة، تضم فريقاً ثلاثياً مدعوماً بالاتحاد الدستوري، تحوّل – حسب تعبير منتقدين – من فاعل سياسي إلى مجرد أداة لتأثيث أغلبية عددية، تضمن تمرير القرارات دون نقاش عمومي حقيقي أو محاسبة فعلية حول النجاعة والجدوى.
هذا الوضع لم يربك فقط المشهد السياسي المحلي، بل أربك أيضاً مناضلي بعض الأحزاب الممثلة داخل المجلس، الذين وجدوا أنفسهم أمام أسئلة محرجة: هل دعم قياداتهم هو دفاع عن استقلالية القرار الحزبي؟ أم مجرد تزكية لالتحاق غير مشروط بأغلبية العمدة، مقابل مواقع ومنافع انتخابية ضيقة؟
وهنا يطرح سؤال جوهري نفسه بإلحاح: ما الذي بقي يميز هذه الأحزاب عن بعضها البعض، إذا كانت المبادئ والمواقف قد أُفرغت من مضمونها، وتحولت السياسة المحلية إلى مجرد تدبير للتحالفات الظرفية وتبادل المصالح، بدل أن تكون أداة لخدمة المدينة وساكنتها؟
في ظل هذا المشهد، يرى متابعون أن الدار البيضاء في حاجة ماسة إلى نفس سياسي جديد، يعيد الاعتبار للبرامج والرؤى، ويضع مصلحة المدينة فوق الحسابات الحزبية الضيقة، قبل أن تتحول أزمة الحكامة المحلية إلى عامل إضافي يعمّق أعطاب العاصمة الاقتصادية ويؤجل حلولها المنتظرة.

