لم تكن أزمة الجفاف التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة مجرد ظرفية عابرة، بل شكلت اختبارا حقيقيا لقدرة المملكة على تدبير مواردها المائية والتأقلم مع الإجهاد المائي المتزايد. وفي قلب هذه الأزمة، برز وضع سد المسيرة، ثاني أكبر سد بالمغرب، بعدما تراجعت حقينته إلى مستويات مقلقة هددت بشكل مباشر تزويد مدينة الدار البيضاء وضواحيها بالماء الشروب.
لكن المشهد تغير تدريجيا خلال الأشهر الأخيرة، بعدما سجل سد المسيرة نسبة ملء تجاوزت 33 في المائة، وهي أعلى نسبة يبلغها منذ يونيو 2017، ما أعاد إلى الواجهة التساؤلات حول إمكانية عودة العاصمة الاقتصادية إلى الاعتماد عليه كما كان عليه الحال في السابق.
وقبل سنة 2022، كانت الدار البيضاء الكبرى، إلى جانب مدن ومناطق مثل مديونة والمحمدية والنواصر وبوسكورة، تعتمد بشكل شبه متوازن على مصدرين رئيسيين للماء الشروب. فحوالي نصف الحاجيات كان يتم توفيره من حوض أم الربيع عبر سد المسيرة، الذي يغذي بدوره سد الدورات، بينما كان النصف الآخر يأتي من سد سيدي محمد بن عبد الله.
غير أن توالي سنوات الجفاف قلب هذا التوازن بالكامل، بعدما شهد سد المسيرة تراجعا حادا في مخزونه بسبب الضغط الكبير عليه، لكونه يزود أيضا مدنا أخرى مثل آسفي والجديدة.
وأمام هذا الوضع، اتخذت السلطات قرارا استراتيجيا يقضي بتحويل الجزء الأكبر من تزويد الدار البيضاء بالماء نحو سد سيدي محمد بن عبد الله، بهدف تخفيف الضغط على سد المسيرة والحفاظ على ما تبقى من مخزونه.
ورغم التحسن الحالي الذي يعرفه سد المسيرة، فإن عودة الدار البيضاء إلى الاعتماد عليه بنفس الوتيرة السابقة تبدو غير مرجحة في المدى القريب، إذ يبدو أن خريطة التزويد المائي تغيرت بشكل دائم، وأصبحت ترتكز على تنويع المصادر وتقليص التبعية لسد واحد، تفاديا لتكرار أزمة العطش مستقبلا.

